امدرمان انترنت

مركز ثقافي وسياسي وإعلامي سوداني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

د. حيدر ابراهيم علي:الإسلامويون السودانيون والأزمة الاقتصادية العالمية...الإسلامويون السودانيون والأزمة الاقتصادية العالمية

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

[justify]الإسلامويون السودانيون والأزمة الاقتصادية العالمية

د. حيدر ابراهيم علي
ssc_sudan@yahoo.com

شغلت السياسة الحزبية العملية الاسلامويين السودانيين كثيراً وكان ذلك على حساب الجوانب الفكرية والنظرية. فكان فقرهم الفكري، ونجحوا سياسياً في الوصول الى الحكم والاستيلاء على سلطة مطلقة، ولكن جاءوا اليها خاوي الوفاض من الفكر والنظرية مما فرض عليهم البراقماتية والتجريب والخطأ. ولأنهم سياسيون اكثر منهم مفكرون، فهم لا يراجعون تجربتهم ولا ينتقدونها. ولكنهم لا يقفون عند حد الصمت عن اخطائهم بل يقفزون على الاخطاء ويصرون على نجاح المشروع الحضاري الاسلاموي، ومع ظهور الأزمة الاقتصادية والمالية التي كانت تعتمل داخل المجتمع الرأسمالي منذ فترة، برز الاسلامويون السودانيون بجرأة منقطعة النظير ليعلنوا ان لديهم الحل الاسلامي البديل للأزمة. وبكل غرورهم المعهود يريدون انقاذ العالم كله، مثلما قاموا بانقاذ السودان من خلال انقلاب 30 يونيو 1989! وهذه مشكلة الاسلامويين السودانيين والتي تعميهم عن رؤية الواقع. فقد ظنوا باستمرار انهم يملكون وحدهم الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل أبداً، لأنهم ظل الله على الارض. واضافوا الى امتلاك الحقيقة المطلقة تمتعهم بالسلطة السياسية المطلقة. وبالتالي لم يعرفوا او يعترفوا بالخلاف او الاختلاف او الرأي الآخر لا على مستوى الفكر والعمل ولا على مستوى التنفيذ والعمل. تساعد هذه الخلفية على فهم التسطيح والاستحفاف الذي يتعامل معه الاسلامويون السودانيون مع الأزمة ومع عقولنا.

أولاً: هناك اصرار على وجود نظرية اقتصادية وهذا غير صحيح، ثانياً: أمامنا تجربة عملية وليست نظرية لتطبيق الاقتصادي الاسلامي او تطبيقه على الرؤية الاسلاموية للاقتصاد، وجدت فرصتها كاملة في السودان فماذا فعلت ؟ هذه بينة – حسب القانون – أقوى من اي شهادة او دليل آخر. فهناك تدليس ما، عند وجود تجربة ملموسة إذ لا يمكن ان تهرب الى التنظير والتجريد دون الحديث عن ايجابيات وسلبيات او نجاحات واخفاقات التجربة. فهذا السلوك ليس مجرد خطأ في المنهج ولكنه يصل الى الموقف الاخلاقي السالب والصدقية الناقصة.

سارع الاسلامويون الى اعلان الحل الاسلامي كبديل ناجع في مجال الاقتصاد. وهذا فهم غير منطقي يعتبر ان فشل نظرية ما يعني بالضرورة وحتماً صلاحية النظرية المقابلة او المنافسة، مع انه من الممكن ان تفشل النظريتان معاً. فهذا موقف فكري كسول يحتاج الى الاثبات بالسلب والنفي دون تقديم النظرية البديلة بطريقة منهجية وعلمية قائمة بذاتها حتى وان لم توجد النظرية الأخرى. هناك نقص آخر، اذ يختزل الاسلامويون – بقصد او بلا قصد – فكرة الاقتصاد في البنوك او المصارف او التعامل مع المال ورأس المال. وهذه نظرة تتجاهل الانتاج والتوزيع والعدالة الاجتماعية (الاشتراكية في الأصل). لذلك يمكن القول بحسم قاطع ان الاسلام لديه نظرية اخلاقية للاقتصاد، وليست لديه بالمرة نظرية اقتصادية للاقتصاد.

كان الكثيرون من الاسلامويين يرون ضرورة ان يساهم الاسلام برؤيته الاخلاقية في الاقتصاد، وفي هذه الحالة يمكن ان ينافس ويخرج الآخر، وهذا ليس ممكناً حين ننتقل للاسهامات الاقتصادية البحتة، فالآخرون تطوروا كثيراً حتى ولو فشلت بعض فرضياتهم واحكامهم، وحققوا تقدماً اقتصادياً "مادياً" كبيراً قد يتعرض لأزمات دورية. وقد عمل بعض الباحثين الاقتصاديين الدعوة للنظرية الاخلاقية في الاقتصاد. وهذا هو نموذج جيد لمثل هذه المحاولة، فهذا مفكر مرموق عبر من الشيوعية الى الحركة الاسلامية، مما يعني ارتكازه على تجربة مفيدة. يكتب عادل حسين:

(نحن نخالف هؤلاء جميعاً من موقفنا الاسلامي ونرفض اعتبار الاقتصاد مشكلتنا الاساسية وحتى فيما يتعلق بعلاج المشاكل الاقتصادية، فان مفتاح الحل لا يكمن في المعايير المادية للنمو الاقتصادي بقدر ما يكمن في المناخ المعنوي المحيط بقضية التنمية اي قضية الايمان ووجود الانسان المؤمن. وان تكون الحياة كلها ملتزمة بشرع الاسلام وقيمه، وان يستشعر الانسان رقابة الله على فعله وقوله في كل لحظة). (صحيفة الشرق الاسط 13/12/1989).

وقبل فترة وجيزة، وفي الندوة السنوية لبنك فيصل الاسلامي أكد احد الاسلامويين والذي شاء القدر ان يعطيه فرص التطبيق والتنفيذ وتقلد منصب وزارة المالية لفترة، على المبدأ الاخلاقي يقول عبدالرحيم حمدي عن حلول الأزمة المالية الحالية:

(ان المعالجات التي تمت حتى الآن اجرائية وجزئية ولم تمس جذور المشكلة المتمثلة في الجشع والاختلال في الاخلاق، واعتبر ان النظام الاسلامي هو الافضل لمعالجة تلك الازمات (....) ان النظام الاسلامي يعالج قضية الاخلاق ويبسط العدالة ويحرم الديون الربوية وبيع الدين، وبيع ما لا تملك والعمل بقاعدة: ان كان ذي عسر فنظرة الى ميسرة) (صحيفة السوداني 26/10/2008).

وفي نفس الندوة تساءل الخبير المصرفي عثمان الهادي عن مدى التزام الأمة المسلمة بتعاليم الاسلام، وتحجيم الممارسات غير الاخلاقية التي كانت سبباً في الانهيارات الكبيرة للبنوك واسواق المال العالمية، مشدداً على أهمية مراعاة مخافة الله في تعاليمه.

اصطدمت هذه الدعوة الاخلاقية النبيلة في السودان بممارسات متوحشة في فسادها فقد وجدت الغطاء في سلطة سياسية اسلامية تمارس العنف وتستغل وتوظف الدين لكي تجعل من الفساد سلوكاً عادياً لا يحاسب عليه. وهذه القضية تحظى بتجاهل منهجي وصهينة مدروسة حتى ينسى او يمل المتحدثون عن الفساد. ورغم ان حكومة الجنوب التي لا تدعي انها اسلامية او كاثوليكية اهتمت بملف الفساد باعتباره عقبة في سبيل التنمية والاستقرار. ورغم ان وزير المالية الحالي صرح بانه سيحارب الفساد ولكنه لم يقم باي خطوة عملية. قد يكون الفهم للفساد مختلفاً بيننا وبين الاسلامويين، فهم قد يرون الاعتداء على المال العام مجرد تصرف عادي في المال يقوم به شخص متمكن من السلطة ويريد تقوية التمكين السياسي من خلال التمكين الاقتصادي ايضاً. وهم لا يفصلون بين التمكين في السلطة والتمكين في الثروة، فالذي سخر لهم السلطة فقد سخر لهم المال ايضاً. فهم الدولة والمال مال الدولة وبالتالي مالهم وحلالهم، وفي رأيي هذا هو المبرر الوحيد للسكوت على الفساد، فهم لا يعتبرون ذلك أصلاً فساداً حتى يتخلون عنه ويقومون بالمحاسبة او الاعتذار.

أحرج الاسلامويون السودانيون رصفاءهم في الحركات الاسلاموية الأخرى، فقد كانت فرصة لهم لكي يقدموا اقتصاداً اسلامياً ركيزته الاخلاق والقيم الاسلامية التي ترفض الى جانب الفساد، كل اشكال الترف الاستفزازي الذي يبلغ درجة السفه. فقد كان يفترض في نظام اسلامي ان يحاسب الفاسدين باعتبارهم خارجين عن القاعدة ومجرد استثناء. ولكننا في السودان، نحسب – وهم قلة – من نقول عنهم: نظيفون او طاهرون وهم الاستثناء. وهكذا قضى الاسلامويون السودانيون على ركيزة الفكر الاقتصادي الاسلامي الاخلاق والمبادئ الاسلامية. هذا على مستوى الموجهات اما على مستوى اشكال الاقتصاد الاسلامي فقد اكتفى الاسلامويون بتجربة المصارف او البنوك الاسلامية واعتبروا انتشارها العددي والكمي دليلاً كافياً على نجاح وتفوق الاقتصادي الاسلامي، فالبنوك أصلاً جزء من استراتيجة الاسلامويين في معركة التمكين والهيمنة. ومن هنا كان اهتمام الفكر الاسلاموي الاقتصادي بالمال والبنوك وليس بالمصانع والانتاج الزراعي الكبير. وكانت التجربة الاسلامية في البنوك مقلوبة اذ كانت البداية الفعلية لتأسيس البنوك سابقة للتأصيل والتنظير وتم الحاق هيئات للفتوى والتشريع لهذه البنوك بعد قيامها لملاحقة الاخطاء وتبرير وتسبيب المعاملات. ووصف بعض الاسلامويين قصور الاقتصاد الاسلامي لانه جزئي وعمل اجرائي اهتم بالمعالجات الفرعية والتدابير الادارية. ويقول احمد النجار والذي يسمى (ابو البنوك الاسلامية): (ان تطبيق تجربة البنوك قد سبق بمعنى من المعاني التنظير بمعناه العلمي المعروف. فقد بدأت التطبيقات برصيد محدود من التأصيل الفكري) وحتى الممارسة العملية يرى انها (حتى الآن لم تحقق الهدف من انشاء البنوك الاسلامية ولم تقربنا للغاية، وهناك شك كبير في امكانية تعديل مسارها) (صوت الكويت 26/4/1992).

أصبح (ابو البنوك الاسلامية) د. احمد النجار من اكثر المنتقدين للفكرة. ففي مهرجان أصيلة بالمغرب في صيف 1993 تبرأ في مداخلاته ومقابلاته الصحفية عن التجربة بشكلها الراهن. وحذر من مغبة الممارسات الخاطئة التي تمارسها البنوك والمؤسسات ودور المال الاسلامية القائمة حالياً. وطالب برؤية واضحة لدى البنوك المركزية والهيئات المشرعة والمرخصة لهذه البنوك حماية لمبدأ العمل المصرفي الاسلامي ولاقتصاديات دولها، وقال انها (أخلت بالهدف وقامت بمخالفة صريحة لمنهج الاقتصاد الاسلامي الذي يشترط ضوابط عقائدية وعلمية لعمل البنوك الاسلامية) (صحيفة الشرق الاوسط 17/8/1993). ورفض كل البنوك الاسلامية بلا استثناء لانها غير اسلامية، ووجه لها كثيراً من النقد وعدّد بعض الاخطاء من أهمها: وجود قيادات معينة لصناعة القرار في هذه المصارف لكنها قيادات غير مؤهلة للعمل المصرفي أساساً من الفقهية والاقتصادية العلمية. والدليل على ذلك استخدام هذه المصارف لفقهاء لا دراية لهم بالاقتصاد الأمر الذي يسئ الى اهداف البنوك الاسلامية ويعيق مساهمتها في البني التحتية للاستثمار وتشجيع مبدأ المشاركة في المجتمع الاسلامي الذي تعمل فيه هذه البنوك، خاصة وان مبدأ العمل المصرفي الاسلامي يخالف كثيراً من الممارسات المألوفة في القطاع المصرفي العالمي. واتهم البنوك الاسلامية بضعف الرقابة الداخلية على ممارسات قد يدركها مسؤولون في البنك أنفسهم.

قدم محمد عبده يماني دراسة عن البنوك الاسلامية ذكر فيها عدداً من المشكلات والسلبيات، مثل ضعف التنسيق بين هيئات الرقابة الشرعية، ونقص الكوادر المتفهمة لطبيعة العمل المصرفي الاسلامي، وعدم وجود معيار اسلامي للربح، ضعف معدل العائد مع تفضيل مصلحة المساهمين على حساب المودعين، ضعف التنسيق والتعاون بين البنوك الاسلامية وطغيان عقود المرابحة على النشاطات الاخرى. وهي تشكل 60 – 80% من استثمارات البنوك الاسلامية وهي نسبة غير عادية ومخيفة لأنها تستقطب معظم الأرصدة المعدة للاستثمار التي كان من المفترض ان تمول الزراعة والصناعة والخدمات (صحيفة الحياة 6/2/1996). وفي الكويت أصدر الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق كتاباً عنوانه: (القول الفصل في بيع الأجل) (دار ابن تيمية الكويت) جاء فيه: (ان أخبث صور التعامل التي انبنت على بيع الأجل مع زيادة هي الصورة المسماة زوراً بيع المرابحة التي يجريها ويتعامل معها كثيراً من البنوك الاسلامية). ويرى ان البنك الاسلامي يقوم بتمويل الصفقة ويشتريها لعملائه ويبيعها لهم ويتقاضى هذا الفرق بين سعر الحاضر (النقد) وسعر المؤجل (الاقساط) ويقدر الفائدة حسب مدة السداد تماماً كما تقدر الفائدة الربوية. وهكذا يصبح البنك الاسلامي وسيطاً ربوياً، يقرض المشترى بفائدة مع التظاهر بانه يشتري ويبيع.

حين يقدم الاسلامويون البديل والحل للأزمة المالية العالمية لا يذكرون أسباب انهيار الكثير من البنوك والشركات المالية الاسلامية في مصر خلال الثمانينات ثم تكررت التجربة في تركيا خلال التسعينيات حيث خسرت شركات توظيف الأموال التي جذبت صغار المدخرين حول أربعة مليارات دولار خلال بضعة شهور. وفي افغانستان استولت مليشيات (المجاهدين) على المصارف الموجودة واضافت اليها صفة اسلامية، وحين انسحبت الفئة الحاكمة من العاصمة كابول عام 1996 أخذت معها كل السبائك الذهبية والنقود المودعة. وفي اندونيسيا وبنغلاديش ونيجيريا انتهت المصارف والشركات الاسلامية الى فشل ذريع اوقع الضرر بالكثير من صغار المدخرين والفقراء. وفي السنغال اغلق مصرف اسلامي ابوابه بعد أشهر نم افتتاحه، إثر استيلاء مؤسسيه على مافيه من أموال هربوا بها الى فلوريدا الامريكية (امير طاهري، الشرق الاوسط 7/4/1997).

هذه محاولة لفتح حوار جاء حول حقيقة الاقتصاد الاسلامي بعيداً عن التدليس الفكري، فالاسلامويون يستغلون المنابر المفتوحة والمتاحة، واحتكار كل وسائل الاعلام والاتصال والتأثير على الجماهير، وتمرير افكارهم ضعيفة السند العلمي والفقهي مع غياب الرأي الآخر المخالف. أعلم ان كثيراً من الاسلامويون بعد وصولهم السهل الى السلطة لم يعدوا يعطون اي قيمة للآخرين. ولكن المطلوب قليلاً من الورع، ان لم تكونوا تخشون الشعب الا تخشون الله فيه ؟ [/justify]

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى